الشوكاني

79

فتح القدير

فإذا وجد حجرا أحسن منه رمى به وعبد الآخر ، فأنزل الله الآية . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم في الآية قال : ذلك الكافر لا يهوى شيئا إلا اتبعه . لما فرغ سبحانه من ذكر جهالة الجاهلين وضلالتهم أتبعه بذكر طرف من دلائل التوحيد مع ما فيها من عظيم الإنعام ، فأولها الاستدلال بأحوال الظل فقال ( ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ) هذه الرؤية إما بصرية ، والمراد بها ألم تبصر إلى صنع ربك ، أو ألم تبصر إلى الظل كيف مده ربك ، وإما قلبية بمعنى العلم ، فإن الظل متغير ، وكل متغير حادث ، ولكل حادث موجد . قال الزجاج ( ألم تر ) ألم تعلم ، وهذا من رؤية القلب . قال : وهذا الكلام على القلب ، والتقدير : ألم تر إلى الظل كيف مده ربك : يعنى الظل من وقت الإسفار إلى طلوع الشمس وهو ظل لا شمس معه ، وبه قال الحسن وقتادة . وقيل هو من غيبوبة الشمس إلى طلوعها . قال أبو عبيدة : الظل بالغداة والفيء بالعشي ، لأنه يرجع بعد زوال الشمس ، سمي فيئا لأنه فاء من المشرق إلى جانب المغرب . قال حميد ابن ثور يصف سرحة وكنى بها عن امرأة : فلا الظل من برد الضحى تستطيعه * ولا الفيء من برد العشى تذوق وقال ابن السكيت : الظل ما نسخته الشمس ، والفيء ما نسخ الشمس . وحكى أبو عبيدة عن رؤبة قال : كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فيء وظل ، وما لم تكن عليه الشمس فهو ظل انتهى . وحقيقة الظل أنه أمر متوسط بين الضوء الخالص والظلمة الخالصة ، وهذا التوسط هو أعدل من الطرفين ، لأن الظلمة الخالصة يكرهها الطبع وينفر عنها الحس ، والضوء الكامل لقوته يبهر الحس البصري ويؤذي بالتسخين ، ولذلك وصفت الجنة به بقوله - وظل ممدود - وجملة ( ولو شاء لجعله ساكنا ) معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه : أي لو شاء الله سبحانه سكونه لجعله ساكنا ثابتا دائما مستقرا لا تنسخه الشمس . وقيل المعنى : لو شاء لمنع الشمس الطلوع ، والأول أولى . والتعبير بالسكون عن الإقامة والاستقرار سائغ ، ومنه قولهم : سكن فلان بلد كذا : إذا أقام به واستقر فيه . وقوله ( ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ) معطوف على قوله : مد الظل داخل في حكمه : أي جعلناها علامة يستدل بها بأحوالها على أحواله ، وذلك لأن الظل يتبعها كما يتبع الدليل في الطريق